
إذا تولى عسكري قيادة بلد فقد يعرضه للفساد لأنه ليس من مهامه ملا من تكوينه فالإدارة المدنية لا يصلح لها إلا المدنيين وهذا معروف ومجرب وقد عرفناه وتأكدنا من صحيته تماما خلال العقود التى ترأس البلد فيها عسكريين فأسفدوه وخربوه ولم يستطع أن يتقدم فى شيء
يُحكى أنه في عهد "تيمورلنك"، كان هناك قائد جيشٍ عظيم الشأن، مهاب الجانب، لم تطأ قدماه ساحة معركة إلا وانجلت غبرتها عن نصرٍ مؤزر، حتى صار في عين "تيمورلنك" السيف الذي لا ينبو، والدرع الذي لا يُخترق.
وفي يومٍ غير متوقع، قرر هذا القائد أن يغمد سيفه للأبد، معلناً رغبته في الاعتزال والرحيل عن صخب القتال.
وقف أمام "تيمورلنك" يطلب الإذن بالانصراف، فما كان من القائد العظيم -تقديراً لمكانته- إلا أن عرض عليه عرضاً يسيل له لعاب الطامحين:
"اختر لنفسك أي إمارةٍ تشاء، لتكون حاكماً عليها ومطاعاً فيها!"
صمتت القاعة، لكن رد القائد جاء حازماً كضربة سيف: "أرفض ذلك يا مولاي، وبشدة!"
اتسعت عينا "تيمورلنك" دهشةً، وسأل مستنكراً:
"عجباً لك! لمَ ترفضُ ما كان يصبو إليه من سبقك، وما يقاتل لأجله من خلفك؟"
أجاب القائد بهدوء الواثق:
"يا جلالة الملك، نحن رجال حربٍ ومبارزة، ولسنا رجال خديعةٍ ومكرٍ وسياسة. إن قائد الجند إذا حكم جنده، أمر فنُفذ أمره، وإلا كان الإقصاء أو القتل. أما في شؤون العامة، فالأمرُ أخذٌ ورد، وشورى ومشورة."
وتابع بلهجةٍ تمؤها الحكمة:
"نحن قومٌ نضرب الرقاب إن لزم الأمر، وقد جُبلنا على الغلظة في الحق، لكن حياة العامة يحكمها قانونٌ يسوس أدق تفاصيلها.
حياة الجند قاسية، خشنة، لا تعرف اللين، بينما حياة الناس صبرٌ، وتأنٍ، وتغليبٌ للمصالح.
إن حكَم قائد الجند عامة الناس؛ أفسد رعيته وضاع هو!"
ألقى القائد نظرةً أخيرة نحو الأفق وأردف:
"لقد خلق الله كل إنسانٍ لوظيفةٍ فُطر عليها، فإذا حاد عنها اختلت الموازين وفسد النظام. طبائع الجند ليست كطبائع العامة، وأنا منذ أربعين عاماً لا أعرف غير لغة السلاح؛ فإذا أردتني حاكماً، فعليك أن تنتظر أربعين عاماً أخرى أخالط فيها العامة حتى آلف طباعهم وتلين عريكتي. فقائد الجند لا يصلح إلا أن يكون قائد جند."
خيم الصمت على مجلس "تيمورلنك"، الذي لم يجد بُداً من الإعجاب بهذا الصدق وعمق البصيرة، فأذن له بما أراد، مودعاً إياه باحترامٍ لم ينله أحدٌ قبله




