البنك الدولي يكشف بعض بيانات المديونية للدول منخفضة الدخل والمتوسطة ويعرف ببعض الأخطاء فى ملف المديونية

ثلاثاء, 03/17/2026 - 12:38

 

في السنوات الأخيرة، دارت النقاشات حول الديون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في إطار سرديات و مرويات تشير إلى أن تحديات الديون تنبع أساساً من الإفراط في الاقتراض أو السياسات غير الفعالة. ورغم أن هذه التصورات تعكس شواغل حقيقية ومهمة، فإن أحدث البيانات من تقرير الديون الدولية لعام 2025 تكشف عن صورة أكثر تعقيداً.

تشير البيانات بشأن 120 بلداً منخفض ومتوسط الدخل إلى كيفية إعادة تشكيل ديناميكيات الديون بفعل تشديد الأوضاع المالية على مستوى العالم، وتحركات أسعار الصرف، وتغير إستراتيجيات التمويل، وتبدل هياكل الدائنين. ولا تقدم هذه الصورة رواية واحدة عن فشل السياسات، بل تكشف عن نظام يواجه ضغوط الصدمات الدورية وبيئة دين عالمية أكثر تعقيداً.

وتتطرق هذه المدونة إلى أربعة أبعاد رئيسية لضغوط الديون الحالية، وتفتح نافذة أوسع لفهم التحديات القادمة.

 

1. فكرة أن مستويات الديون وحدها تكشف عن وجود مشكلة في البلد المعني: تبسيط مفرط ومخل!

عادةً ما يتم قياس مخاطر الديون بناءً على معدل اقتراض البلدان، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أنّ تكلفة خدمة الديون أصبحت عاملاً أساسياً يزيد الضغوط على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

وقد شهدت الفترة بين عامي 2022 و2024 قيام البنوك المركزية الكبرى بتنفيذ أسرع دورة لتشديد السياسة النقدية خلال أكثر من أربعة عقود، حيث رفعت أسعار الفائدة القياسية بما يزيد على 500 نقطة أساس. أما بالنسبة للعديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، فقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في تكاليف الاقتراض. وبلغت مدفوعات الفائدة نحو 415 مليار دولار في عام 2024، أي ما يعادل أكثر من 2.4 ضعف مستواها قبل عقد من الزمن. وفي البلدان منخفضة الدخل، تجاوزت مدفوعات الفائدة نصف إجمالي خدمة الدين الخارجي.

ومن اللافت أنّ تصاعد أعباء خدمة الديون حدث حتى في ظل بقاء أرصدة الديون مستقرة إلى حد كبير. إذ تباطأ نمو الدين الخارجي بشكل واضح، حيث لم يرتفع إجمالي الدين الخارجي للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلا بنسبة 1.1% فقط في عام 2024 مقارنة بمعدلات نمو سنوية تزيد على 5–8% خلال غالبية العقد الثاني من القرن العشرين. ومع ارتفاع تكاليف التمويل، قامت العديد من البلدان بتقليص الاقتراض الجديد والتركيز بدلاً من ذلك على إدارة الالتزامات القائمة. 

 

 

جدير بالاعتبار أن تحركات أسعار الصرف قد أدت إلى تفاقم هذه التحديات. فمنذ عام 2017، شهدت عملات العديد من بلدان الشريحة الدنيا من الاقتصادات متوسطة الدخل والاقتصادات متوسطة الدخل انخفاضاً كبيراً أمام الدولار الأمريكي. ونظراً لكون معظم الالتزامات الخارجية مقومة بالعملات الأجنبية، فإن هذه الانخفاضات أدت إلى ارتفاع تكلفة سداد الديون بالعملة المحلية حتى دون الحاجة إلى اقتراض إضافي. وتظهر المؤشرات الخاصة بأسعار الصرف في 89 من هذه الاقتصادات ارتفاعات واسعة النطاق، حيث انخفضت عملات ربع تلك البلدان بما يزيد عن 40% أمام الدولار الأمريكي منذ عام 2017. 

 

 

 

2. الادعاء بأن ضغوط السيولة تعني مخاطر الملاءة: هو ادعاء مضلل!

إلى جانب ارتفاع تكاليف الاقتراض، شهدت أوضاع التمويل تغييرات أدت إلى تفاقم ضغوط السيولة لدى البلدان. فبين عامي 2022 و2024، واجهت البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تدفقات مالية صافية خارجة تقدر بنحو 741 مليار دولار، وهو أكبر تحويل سلبي مسجل منذ أكثر من50 سنة من إحصاءات الديون الدولية. ولا تعكس هذه التدفقات التوسع في الاقتراض، بل تشير إلى فترة شهدت فيها السيولة العالمية تقلصاً وزادت قيود التمويل في العديد من الاقتصادات.

وهذه الديناميكيات تطمس على نحو متزايد الفارق بين مخاطر السيولة ومخاطر الملاءة المالية، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الفائدة وضعف تدفقات رأس المال إلى الداخل إلى زيادة ضغوط إعادة التمويل حتى إذا ظلت أرصدة الديون في مستويات معتدلة. 

 

 

تسببت ضغوط السيولة المشار إليها في تشديد أوضاع المالية العامة بصورة مباشرة، حيث أصبحت مدفوعات الفائدة وحدها تشكل ما يتراوح بين 20% و40% من الإيرادات الحكومية في العديد من البلدان. وعلى مستوى 89 بلداً من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، أنفق 21 بلداً أكثر من 20% من إيراداته على مدفوعات الفائدة في عام 2024، مقارنةً بتسعة بلدان فقط في عام 2017. وفي العام نفسه، تجاوزت مدفوعات الفائدة في 14 بلداً 25% من الإيرادات الحكومية، وفي 33 بلداً تخطت 15%، مما يُبرز مدى تفاقم الضغوط على المالية العامة. وتمتد آثار هذه الضغوط على المالية العامة لتؤثر سلباً على التنمية، إذ يرتبط تزايد أعباء خدمة الدين ارتباطاً مباشراً بتدهور مستوى المعيشة وتفاقم مواطن الضعف في مختلف البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

 

 

 

3. التحول إلى السندات والأسواق المحلية يقلل المخاطر: أمر غير مؤكد!

في ظل هذه الضغوط المستمرة على السيولة والمالية العامة، قامت العديد من الحكومات بتعديل إستراتيجياتها التمويلية سعياً للتخفيف من تحديات إعادة التمويل وضمان الوصول إلى الأسواق.

وعلى الرغم أن أسواق السندات الدولية بدأت في إعادة فتح أبوابها عام 2024 بعد فترة من انخفاض الإصدارات، مع تحول تدفقات السندات من صافي تدفقات خارجة بأكثر من 75 مليار دولار في عام 2023 إلى صافي تدفقات داخلة بحوالي 55 مليار دولار خلال عام 2024، فإن تكلفة الاستفادة من الأسواق الخارجية ما زالت تفوق بشكل ملحوظ ما كانت عليه خلال العقد الماضي. ففي حين كانت سندات اليورو (يوروبوند) قبل عام 2020 تحقق عادة فائدة تتراوح بين 4% و6%، فإن المصدرين (جهات الإصدار) في الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل يواجهون حالياً فوائد أقرب إلى 8%-10% مع آجال استحقاق أقصر وعلاوات مخاطر أعلى. وفي الأسواق الوليدة، غالباً ما تتم عمليات إعادة التمويل بأسعار مكونة من خانتين (أي 10% فما فوق)، مما يزيد من مخاطر تجديد الديون.

وعلى مستوى الاقتصادات المؤهلة للحصول على تمويل من المؤسسة الدولية للتنمية، التي تعتبرها مجموعة البنك الدولي ضمن البلدان الأقل دخلاً، أصبح المستثمرون في السندات (حاملو السندات) المجموعة الأسرع نمواً بين الدائنين أصحاب الديون العامة والمضمونة من الحكومة، مما يمثل تغيراً عن المشهد الذي كان يهيمن عليه التمويل الميسر في الماضي.

 

 

 مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، عززت الحكومات اعتمادها على التمويل المحلي لتلبية احتياجات الموازنة العامة لديها. وقد شهد الدين المحلي نمواً بوتيرة أسرع مقارنةً بالدين الخارجي في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مما ساهم في استمرار التمويل، لكنه أوجد تحديات جديدة على صعيد الاقتصاد الكلي والمالية العامة. وارتفعت عوائد السندات بالعملة المحلية في عدد من الأسواق، فيما تراجعت آجال الاستحقاق إلى ما بين سنتين وخمس سنوات، مما أجبر الحكومات على إعادة التمويل بشكل أكثر تواتراً، وزاد من حساسيتها تجاه التغيرات المفاجئة في ظروف السيولة المحلية.

أدى الاعتماد المتزايد على الأسواق المحلية إلى تعميق الترابط بين المؤسسات المالية السيادية والمحلية. وتحوز البنوك المحلية نسبة كبيرة من الأوراق المالية الحكومية في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، في حين أن زيادة الاقتراض العام تزامنت مع تباطؤ نمو الائتمان للقطاع الخاص في بعض الاقتصادات، ما يشير إلى احتمال نشوء ضغوط محتملة تؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص واستبعاده من النشاط الاقتصادي.

 

4. إعادة هيكلة الديون من منظور الشفافية: خطوة نحو الاتجاه الصحيح!

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، امتلك دائنو نادي باريس ما يقرب من نصف الديون المقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية المضمونة من قبل الحكومات. أما اليوم فقد تراجعت حصتهم إلى حوالي 10%، فيما تملك الصين والدائنون الثنائيون الآخرون من خارج نادي باريس نصيباً أكبر بكثير. وتشكل حصة حاملي السندات من القطاع الخاص ما يقرب من 60% من الديون الخارجية طويلة الأجل المضمونة من قبل الحكومة. وبدلاً من أن يشير هذا التحول إلى انهيار في عمليات إعادة الهيكلة، فإنه يبرز الأهمية المتزايدة للشفافية والتنسيق مع تنوع الدائنين. 

 

 

يُظهر تقرير الديون الدولية لعام 2025 تسارع التقدم في شفافية الديون خلال السنوات الأخيرة. فقد أدت التحسينات في معايير الإفصاح والإبلاغ إلى جانب مطابقة البيانات بين المقترضين والدائنين إلى تقليص الفجوات المعلوماتية وتعزيز الثقة في إحصاءات الديون. كما تسهم المبادرات، مثل توسيع نطاق الإفصاح عن الديون وتحسين إجراءات تبادل البيانات، في تحقيق مواءمة أكبر بين سجلات الدائنين والمدينين مما يجعل أوضاع الديون أكثر وضوحاً وقابلية للمقارنة بين البلدان.

في هذا السياق، لم تعد الشفافية مجرد مسألة فنية، بل أصبحت أساساً جوهرياً لتفعيل أطر إعادة الهيكلة الحديثة. ومع توسع مشاركة الدائنين وتنوع الأدوات المالية، ستؤدي المعايير الموحدة والمتسقة، والإفصاح في الوقت المناسب، والتغطية الأوسع نطاقاً لالتزامات الديون دوراً حاسماً في تعزيز التنسيق والحد من عدم اليقين في تسويات الديون في المستقبل.

توضح هذه الأبعاد الأربعة مجتمعة أن ديناميكيات الديون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تشهد تغييرات عميقة لا تتعلق فقط بتزايد الاحتياجات إلى الاقتراض، بل أيضاً باستمرار ارتفاع تكاليف التمويل، وصعوبة أوضاع السيولة، والتحول في تركيبة الدائنين، ومعايير الشفافية الآخذة في التطور. وتشير الأدلة والشواهد من استعراض الدين لعام 2025 إلى أن أوضاع الديون لا تتحكم فيها أزمة واحدة بعينها، ولكنها نتاج تفاعل بين الدورات المالية العالمية والتحولات الهيكلية العميقة في هيكل الديون.

هذا وكانت بلادنا لا تتورع عن أخذ دين مهما كانت أنعكاساته السلبية على الشعب وعلى البلد حيث تراكمت فوائد الديون على كاهل الأقتصادي الوطني وحطمت القدرة الشرائية للمواطن اليوم تزيد اربعين فى المائة قبل اشهر او بداية هذا العام ولكن إقبال النظام على الأستدانة لاشك أنها رفعت تلك النسبة كما أن مضاعفة الفوائد على القروض تجعل النسبة تقارب 60 فى المائة وهذا ربما جعل النظام يقرر تعرفة جمركية على كل شيء وضرائب غير قانونية على المواطنين الفقراء

فيديو